الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
348
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ومنها : أنه أعطى مفاتيح الخزائن « 1 » . قال بعضهم : وهي خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم ، فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهى لا يعطيه إلا عن محمد - صلى اللّه عليه وسلم - الذي بيده المفاتيح ، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو ، وأعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن . ومنها : أنه أوتى جوامع الكلم ، فالكلم جمع كلمة ، وكلمات اللّه تعالى لا تنفد ، فالكلمة منه كلمات ، ولما علم جوامع الكلم أعطى الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام اللّه تعالى ، وهو المترجم عن اللّه تعالى ، فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له ، فإن المعاني المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف ، فهو لسان الحق وسمعه وبصره . ومنها : أنه بعث إلى الناس كافة ، قال بعضهم : وهو من الكفت ، وهو الضم ، قال اللّه تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً « 2 » تضم الأحياء على ظهرها ، والأموتا في بطنها ، كذلك ضمت شريعته - صلى اللّه عليه وسلم - جميع الناس ، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به ، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ « 3 » الآية ، فضمت شريعته الإنس والجن ، وعمت رحمته التي أرسل بها العالم ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 4 » ، فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته ، وإنما ذلك من جهة القابل . فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه على الأرض ، فمن استتر عنه في كنّ أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه ، وعدل عنه ، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع . انتهى .
--> ( 1 ) صحيح : والحديث أخرجه البخاري ( 1344 ) في الجنائز ، باب : الصلاة على الشهيد ، ومسلم ( 2296 ) في الفضائل ، باب : إثبات حوض نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، من حديث عقبة بن عامر - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) سورة المرسلات : 25 . ( 3 ) سورة الأحقاف : 31 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 107 .